ابن الجوزي
90
زاد المسير في علم التفسير
فصل وفائدة الاستثناء أن يخرج الحالف من الكذب إذا لم يفعل حلف عليه ، كقوله تعالى في قصة موسى : * ( ستجدني إن شاء الله صابرا ) * ، ولم يصبر ، فسلم من الكذب لوجود الاستثناء في حقه . ولا تختلف الرواية عن أحمد أنه لا يصح الاستثناء في الطلاق والعتاق ، وأنه إذا قال : أنت طالق أن شاء الله ، وأنت حر إن شاء الله ، أن ذلك يقع ، وهو قول مالك ; وقال أبو حنيفة والشافعي : لا يقع شئ من ذلك . وأما اليمين بالله تعالى ، فإن الاستثناء فيها يصح ، بخلاف الطلاق ، وكذلك الاستثناء في كل ما يكفر ، كالظهار ، والنذر ، لأن الطلاق والعتاق لفظه لفظ إيقاع ، وإذا علق به المشيئة ، علمنا وجودها ، لوجود لفظ الإيقاع من جهته ، بخلاف سائر الأيمان ، لأنها ليست بموجبات للحكم ، وإنما تتعلق بأفعال مستقبلة . وقد اختلف في الوقت الذي يصح فيه الاستثناء على ثلاثة أقوال : أحدها : أنه لا يصح الاستثناء إلا موصولا بالكلام ، وقد روي عن أحمد نحو هذا ، وبه قال أكثر الفقهاء . والثاني : أنه يصح ما دام في المجلس قاله الحسن وطاووس ، وعن أحمد نحوه . والثالث : أنه لو استثنى بعد سنة ، جاز ، قاله ابن عباس ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير ، وأبو العالية ، وقال ابن جرير الطبري : الصواب للإنسان أن يستثني ولو بعد حنثه في يمينه ، فيقول : إن شاء الله ، ليخرج بذلك مما ألزمه الله في هذه الآية ، فيسقط عنه الحرج ، فأما الكفارة فلا تسقط عنه بحال ، إلا أن يكون الاستثناء موصولا بيمينه ، ومن قال : له ثنياه ولو بعد سنة ، أراد سقوط الحرج الذي يلزمه بترك الاستثناء دون الكفارة . قوله تعالى : * ( وقل عسى أن يهديني ربي ) * قرأ نافع ، وأبو عمرو : " يهديني ربي " بياء في الوصل دون الوقف . وقرأ ابن كثير بياء في الحالين . وقرأ ابن عامر ، وعاصم ، وحمزة ، والكسائي بغير ياء في الحالين . وفي معنى الكلام قولان : أحدهما : عسى أن يعطيني ربي من الآيات والدلالات على النبوة ما يكون أقرب في الرشد وأدل من قصة أصحاب الكهف ، ففعل الله له ذلك ، وآتاه من علم غيوب